من خيام الرحّل إلى قصور السلاطين ثم الأسواق العالمية، قطع السجاد التركي رحلة طويلة جعلت منه أحد أشهر منتجات الأناضول. وتحمل كل سجادة يدوية أثر طريقة نسجها وألوانها والزخارف التي ارتبطت بمنطقتها، فيما أصبحت الصناعة الحديثة جزءًا كبيرًا من سوق السجاد في تركيا.
لكن تاريخ السجاد التركي أوسع من حكاية مدينة واحدة أو شعب واحد. فقد تعاقبت على الأناضول جماعات وورش وتقاليد نسج مختلفة، وانتقلت التصاميم بين البيوت والمساجد والقصور والتجار. فمتى بدأت الشواهد الباقية، وما الفرق بين السجاد اليدوي والمنتج آليًا اليوم؟
ماذا قال الرحالة عن سجاد الأناضول؟
وصف ماركو بولو في رواية رحلاته جودة السجاد المنسوج في الأناضول خلال القرن الثالث عشر، وذكر التركمان والأرمن واليونانيين ضمن سكان المنطقة. وتعكس شهادته شهرة الحرفة وتعدد المشاركين في اقتصادها، من دون أن تحدد وحدها هوية كل من نسج السجاد. gutenberg.org
وفي القرن الرابع عشر، تحدث ابن بطوطة عن سجاد أق سراي المنسوج من صوف الأغنام. وتُظهر هذه الإشارات أن قونية لم تكن مركز الإنتاج الوحيد في الأناضول، وأن للسجاد أسواقًا خارج المدن التي نُسج فيها.
أنواع السجاد التركي: المنطقة وطريقة النسج
تداخلت زخارف السجاد الأناضولي واستمرت أنماط محلية متعددة عبر القرون. ومن أشهر الأسماء المرتبطة بمناطق إنتاجها:
- سجاد أوشاك (Uşak): اشتهر بالنجوم والدوائر الزخرفية الكبيرة، ووصلت قطعه إلى الأسواق الأوروبية، خصوصًا في العصر العثماني.
- سجاد غورَدَس (Gördes): عُرف بسجادات الصلاة، كما حملت «عقدة غورَدَس» اسمه في أدبيات النسج.
- سجاد ميلاس (Milas): يرتبط بالصوف والعقد المتماثلة وتقاليد الصباغة النباتية في عدد من القرى المنتجة له.
- سجاد هَرَكة (Hereke): اشتهر بالقطع الصوفية والحريرية الدقيقة والزخارف الزهرية المتصلة بذوق القصور العثمانية.
- سجاد ياغجي بدر (Yağcıbedir): يرتبط بتقاليد نسج اليوروك في منطقة باليكسير، وتغلب عليه درجات الأحمر والكحلي.
وهناك أيضًا الكليم (Kilim)، وهو نسيج مسطح بلا وبر معقود، يختلف في بنيته عن السجاد ذي العقد والسطح الوبري. ولا يدل اسم مدينة على أن كل قطعة معروضة باسمها صُنعت فيها فعلًا؛ فالمنشأ وطريقة التصنيع يحتاجان إلى تحقق عند الشراء.
ما «العقدة التركية»؟
تسمى Gördes düğümü، أي «عقدة غورَدَس»، وهي عقدة متماثلة يلتف فيها الخيط حول خيطين من السدى. وتشرح وزارة الثقافة والسياحة التركية طريقة نسجها إلى جانب أنماط العقد الأخرى. وهي سمة مهمة في كثير من السجاد الأناضولي، لكنها وحدها لا تثبت عمر القطعة أو منشأها أو أنها نُسجت يدويًا
تاريخ السجاد التركي
يعود تاريخ السجاد التركي إلى الجذور البدوية للأتراك في آسيا الوسطى وكان له تأثير قوي على هذه القبائل لأنهم كانوا يتنقلون كثيرا ويعيشون في الخيام، وكان السجاد محمولا يفرش على الأرض بسهولة.
ومن الأشياء التي تجعل السجاد مميزا هي طريقة نسج خاصة بالسجاد التركي تسمى Ghiordes knot وهي نمط نسج ذو عقدة مزدوجة تجعل السجاد أقوى وأكثر ديمومة.
في القرن الثالث عشر، لاحظ الرحالة الشهير ماركو بولو الذي زار الأناضول أن أفضل أنواع السجاد نسج في سيفاس والمنطقة المحيطة بها والتي أطلق عليها اسم تركومانيا.
في القرن الرابع عشر، أشاد رحالة آخر وهو ابن بطوطة بالسجاد التركي، وكتب أن السجادة قد صدرت إلى جميع المراكز التجارية المعروفة في العالم.
خلال حكم سليم الأول، عندما حكم العثمانيون تبريز عام 1515 والقاهرة عام 517، تغيرت أشكال السجاد في تركيا كثيرا وتغير استخدام الشكل الهندسي لسجاد الأناضول.
خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، كان السلطان عبد المجيد على وشك الانتقال من قصر توبكابي إلى قصر دولما بهتشة، لذلك طلب أن تصنع أفضل أنواع السجاد للقصر الجديد.
السجاد في تركيا جاذب للانتباه
جذب جمال السجاد في تركيا انتباه الأوروبيين وزينت قصور ومنازل الأرستقراطيين به، كما استحوذت الإمكانات الفنية للسجاد على اهتمام رسامي أوروبا المشهورين.
يمكن العثور على بعض السجاد الذي اشتهر به الرسامون الأوروبيون اليوم في متحف الفنون التركية والإسلامية قرب جامع السلطان أحمد.
وتعتبر ورش السجاد واحدة من نقاط زيارة السياح المحليين والأجانب في تركيا.
في أي مدن تركية يصنع السجاد التركي؟
تمثل مدن إسطنبول وإزمير وقيصري وكابادوكيا قلب صناعة السجاد اليوم، وتقع أكبر ورش السجاد والمتاجر.
يتطلب نسج السجاد قدرا كبيرا من الدقة والصبر، لذلك يقع ضحية للاستهلاك السريع في العصر الحديث ويتناقص عدد الأشخاص الذين يمكنهم نسجه بحرفية.
كما يتحول الإنتاج إلى الهند والصين بسبب رخص الأيدي العاملة في تلك البلدان.
كيف بدأ تاريخ السجاد التركي؟
ارتبط النسج في المجتمعات الرعوية المتنقلة بالصوف والمنسوجات التي يسهل حملها واستعمالها على الأرض وفي الخيام. ومع استقرار الأتراك في الأناضول، تفاعلت مهاراتهم مع تقاليد المنطقة، وظهرت مراكز نسج اشتهرت بألوانها ورسومها. وكانت الأصباغ النباتية إحدى وسائل تلوين الخيوط، لكن استخدامها ليس شرطًا في كل سجادة تُصنع في تركيا.
تعود أقدم مجموعات السجاد الأناضولي الباقية إلى العصر السلجوقي في القرن الثالث عشر. وقد عُثر على نماذج مهمة في مسجدي علاء الدين بقونية وأشرف أوغلو في بي شهير؛ ويضم متحف الفنون التركية والإسلامية في إسطنبول قطعًا سلجوقية من تلك الحقبة. وتظهر في كثير منها أشكال هندسية وألوان قوية وحدود زخرفية مستوحاة من الخط الكوفي. kvmgm.ktb.gov.tr
أما سجادة بازيريك، المكتشفة في جبال ألتاي والمحفوظة في متحف الإرميتاج، فهي أقدم بكثير من سجاد قونية ومن أقدم السجاد المعقود المحفوظ في العالم. وما زال منشؤها موضع نقاش بين الباحثين؛ لذا لا يصح عدّها دليلًا قاطعًا على أن شعبًا واحدًا ابتكر نسج السجاد. hermitagemuseum.org
ولمن يزور المدينة، يتيح دليل أوراق لأبرز معالم قونية التعرف إلى مسجد علاء الدين وغيره من شواهد العصر السلجوقي.
