مدفع رمضان.. تقليد تاريخي منذ عشرات السنين في تركيا

29/03/2023 الساعة 07:00 م
تم التحديث: 31/03/2023 الساعة 04:50 م
إطلاق مدفع رمضان في ساحة السلطان أحمد بإسطنبول (أرشيف)
إطلاق مدفع رمضان في ساحة السلطان أحمد بإسطنبول (أرشيف)

تعودنا منذ الصغر عند وقت الإفطار في شهر رمضان المبارك، مشاهدة لقطة إطلاق مدفع الإفطار على شاشات التلفاز، والتي تتزامن مع سماع صوت أذان المغرب يصدح في كل مكان حولنا، ما يعني أنه حان وقت فك الصوم.

ولهذا المشهد، أصل وتاريخ يعود إلى عشرات السنين في تركيا، وتحديدا منذ عهد الدولة العثمانية التي كانت تحكم العالم الإسلامي آنذاك، وما زالت تركيا تتمسك بهذا الموروث حتى يومنا هذا كجزء أساسي من ثقافتها في شهر رمضان.

ومدفع رمضان تقليد لم ينقطع منذ نحو 188 عاما في تركيا، وهو واحد من تقاليد رمضان الثابتة، مثل التمر، وخبز بيدا رمضان، والمسحراتي، وغيرها من التقاليد التركية في الشهر المبارك.

متى نشأت فكرة مدفع رمضان في تركيا؟

لا يوجد تاريخ محدد متفق عليه من قبل المؤرخين حول سنة بعينها بدأ فيها هذا التقليد، وفي هذا التقرير سنحاول في "أوراق" أن نستعرض تاريخ هذه العادة في تركيا وفق مصادر تركية.

ووفق ما ذكر موقع "إن سون خبر" التركي، فإن هذا التقليد نشأ في القرن التاسع عشر، ولا يزال مستمرا في تركيا في بعض المدن، وغالبا ما يكون في مناطق بعيدة عن تجمعات السكان، كما أنه لا يمكن سماعها بوضوح في بعض المناطق.

كيف بدأ تقليد مدفع رمضان في الدولة العثمانية؟

إعلام الناس بوقت الإفطار من خلال استخدام صوت أداة تستخدم لتدمير جدار القلعة أو إلحاق الضرر بالعدو في الحروب بدأت كفكرة مدهشة وذكية.

وذكر الموقع التركي، أن تطبيق هذه الفكرة بدأ في عام 1835 في ليلة يوم "قنديل" المولد النبوي، استخدمها السلطان العثماني محمود الثاني لأول مرة، لإبلاغ الناس بهذا اليوم المبارك.

اعتمد السلطان محمود على ضرب المدفع 5 مرات من مساء يوم القنديل حتى اليوم التالي.

هذه الفكرة لاقت إعجابا كبيرا من الناس في تلك الفترة، ما دفع السلطان لاستخدامها في أوقات الإفطار والإمساك في رمضان، وأصبح ذلك تقليدا ثابتا منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا.

ورغم استمرار هذا التقليد حتى الآن، لم يعد يضرب المدفع في وقت الإمساك، وجرى إيقاف ذلك منذ وقت طويل.

أول مكان ضرب منه مدفع رمضان في تركيا

كانت أول مرة يضرب فيها مدفع الإفطار في رمضان في عهد السلطان محمود من قعلة أنضولو حصار أو حصن الأناضول، الواقعة على سواحل مضيق البوسفور.

قلعة الأناضول
قلعة الأناضول التي أطلق منها لأول مرة مدفع رمضان

استمر إطلاق المدفع من نفس المكان لفترة، ثم أصبح يتم إطلاق قذائفه من قلعة الأبراج السبعة "يديكولي" الواقعة في منطقة الفاتح في إسطنبول على ساحل بحر مرمرة.

وفي غضون 20-25 عاما، انتشر تقليد ضرب المدفع في جميع أنحاء الدولة العثمانية وتحول إلى عنصر احتفالي أيضا، مثال ذلك: أثناء ولادة الأمراء، كان يتم ضرب المدفع لمدة 5 أيام.

قلعة يدي كولي
قلعة الأبراج السبعة في إسطنبول

لا يضرب المدفع إلا متخصص

بينما كان تقليد ضرب المدافع ينتشر في جميع أنحاء الدولة العثمانية، لسوء الحظ، وقعت حوادث غير مرغوب فيها، وتعرض أشخاص للأذى.

وحيال ذلك أظهرت الدولة العثمانية ولاءها من خلال منح رواتب مدى الحياة لأسر هؤلاء الضحايا.

ونتيجة لهذه الحوادث، أدخلت الدولة العثمانية بعض القواعد ومنعت هذه المهمة لمن هو متخصص في مجال ضرب المدافع.

مدفع رمضان مختلف لكل منطقة

من العهد العثماني إلى يومنا هذا، يتم تغيير مدافع إفطار رمضان حسب المناطق، واستخدام مدافع مختلفة من منطقة لأخرى.

انتشار مدفع رمضان في المدن الإسلامية

انتشر تقليد مدفع الإفطار تدريجياً في المدن الإسلامية، وما زال موجودا في بعض الدول الإسلامية حتى يومنا هذا القدس والكويت وماليزيا والسنغال.

وفي تركيا لا يزال ضرب مدفع رمضان موجودا، حيث يتم إطلاقه من قلاع المدن، وينفذ ذلك أشخاص مختصون حاصلون على شهادة في المجال.

أول مدفع إفطار في الفترة العثمانية

وفي السياق، يقول نور الدين غيميجي الأستاذ في كلية الإلاهيات في جامعة إسطنبول، إنه تم إطلاق أول مدفع في تاريخنا في قلعة الأناضول عام 1821 خلال الفترة العثمانية.

وعن فكرة استخدام المدفع للإعلام بوقت الإفطار والإمساك لأول مرة في التاريخ، أضاف غيمجي "نظرا لعدم وجود ميكروفونات ومكبرات صوت في القرن التاسع عشر، لم يكن صوت الأذان يصل بسهولة إلى مناطق معينة، وهكذا بدأ تقليد إطلاق المدافع للتأكد من أن الجمهور على علم أن الوقت قد حان".

وتابع: "أقيمت هذه الخدمة القيمة في أجزاء مختلفة من إسطنبول خلال 30 يوما في رمضان".

قلعة أنضولو حصار
قلعة أنضولو حصار المطلة على البوسفور

وبحسب المعلومات الواردة في وثائق الأرشيف العثماني، فإن ضرب المدفع لتناول الإفطار والسحور في الجانب الأوروبي من إسطنبول، جاء في مناطق قصر دولمة بهشة وسيراسكرليك، غينلكورماي دايراسي، بايزيد، توبانه، بي أوغلو، وروملي حصار.

أما في قسم الأناضول من إسطنبول "الأسيوي"، تم إطلاق المدفع من مناطق، ماجار، بويراز، ريفا، وشيلي.

وأكد أستاذ الإلاهيات أن ضرب المدافع التي كانت خلال شهر رمضان، نفذها ضباط اختيروا بعناية، وأطلقت القذائف من جنود المدفعية ذوي الخبرة، لأنه كان سابقا يقع بعض الجنود قتلى أو جرحى بسبب عدم الخبرة.

قنابل صوتية بدلا من المدفع

مع التطور التكنولوجي والتقدم الذي وصلنا إليه، أصبح حديثا في بعض المدن التركية، يجري استخدام القنابل الصوتية لإطلاقها في الجو بدلا من المدفع التقليدي، إيذانا بدخول وقت الإفطار خلال شهر رمضان.

 

مصادر استعنا بها

كلمات دلالية